موريتانيا: بين الضرورات الأمنية وتحديات العدالة

في منطقة الساحل التي تشهد اضطرابات سياسية وتصاعداً في نشاط الجماعات المسلحة، تبدو موريتانيا في كثير من الأحيان دولة استطاعت الحفاظ على قدر من الاستقرار. فمنذ عدة سنوات، لم تشهد أراضيها هجمات إرهابية، وهو ما أكسبها تقديراً متواصلاً من شركائها الدوليين. ويعود ذلك أساساً إلى سياسة أمنية تجمع بين تعزيز القدرات العسكرية، والتعاون الخارجي، وإدارة التوازنات الداخلية.
غير أن هذا الاستقرار لا يخلو من الهشاشة. فالتوترات الحدودية مع مالي، وتطور التهديدات الجهادية في المنطقة، والانتقادات المتكررة الموجهة إلى النظام القضائي، كلها عوامل تغذي النقاش حول متانة النموذج الموريتاني. كما أن توقيف بعض النشطاء والمعارضين، إضافة إلى التساؤلات المتعلقة باستقلالية القضاء، أصبحت تحظى بحضور متزايد في النقاشات الوطنية والدولية.
وتُقدَّم موريتانيا بانتظام باعتبارها إحدى دول الساحل التي نجحت في الحد من التمركز الدائم للجماعات المسلحة داخل أراضيها. ويستند هذا الوضع إلى عدة عوامل، من بينها التطوير التدريجي للقدرات العسكرية، والتعاون مع شركاء أجانب، واعتماد مقاربة تربط بين الأمن والتنمية المحلية.
كما واصلت السلطات تحديث القوات المسلحة وتعزيز وسائل مراقبة الحدود، وهو ما انعكس في تحسن ترتيب البلاد ضمن بعض المؤشرات الدولية المتعلقة بالقدرات العسكرية.
ورغم هذا الاستقرار النسبي، لا تزال التحديات الأمنية قائمة. فالتدهور الأمني في مالي يواصل فرض ضغوط على الحدود الموريتانية. وخلال مطلع عام 2026، كشفت عدة حوادث دبلوماسية بين نواكشوط وباماكو عن الصعوبات المرتبطة بضبط الحدود وتحركات الجماعات المسلحة في المنطقة.
وعقب هجوم جهادي استهدف الأراضي المالية في أبريل 2026، أكدت السلطات الموريتانية يقظتها، ورفضت الاتهامات التي تحدثت عن تسلل محتمل انطلاقاً من أراضيها.
وفي مواجهة هذه المخاطر، تواصل موريتانيا تعاونها مع عدد من الشركاء الدوليين. فقد تم مؤخراً تسليم معدات عسكرية غربية لتعزيز قدرات المراقبة وتأمين الحدود، بالتوازي مع استمرار برامج تدريب للقوات الخاصة الموريتانية بالتعاون مع شركاء أوروبيين.
كما تواصل البلاد مشاركتها في آليات التعاون الإقليمي لمكافحة الإرهاب، سواء عبر التنسيق الأمني مع الدول المجاورة أو من خلال العمليات المشتركة في المناطق الحدودية الحساسة.
وعلى الصعيد الداخلي، لا يزال أداء المنظومة القضائية يثير تساؤلات متزايدة. إذ ترى منظمات حقوقية ومراقبون مستقلون أن الإصلاحات المنجزة ما زالت غير كافية لضمان استقلالية القضاء بشكل كامل.
ويواجه النظام القضائي الموريتاني عدة تحديات، من بينها بطء الإجراءات، وضعف الإمكانات البشرية والمادية، إضافة إلى الانتقادات المتعلقة بإمكانية تأثير السلطة التنفيذية في بعض الملفات الحساسة.
وقد أعادت الأحكام الصادرة في مايو 2026 بحق نائبتين من الحركة الانعتاقية “إيرا” الجدل بشأن الحريات العامة وحماية المعارضين السياسيين.
وكانت النائبتان قد انتقدتا علناً السياسات الحكومية المتعلقة بالتمييز الاجتماعي والعرقي، قبل أن تدينهما المحكمة بتهم مرتبطة بالإساءة إلى رموز الدولة والتحريض على الكراهية. في المقابل، طعن فريق الدفاع في الإجراءات، معتبراً أن الحصانة البرلمانية لم تؤخذ بعين الاعتبار بالشكل المطلوب.
وقد أثارت هذه القضية ردود فعل من عدة منظمات دولية وجمعيات حقوقية طالبت بتوفير ضمانات قضائية أكبر في القضايا ذات الطابع السياسي.
كما أعاد الجدل المرتبط بهذه المحاكمات تسليط الضوء على الآثار الاجتماعية الموروثة عن العبودية، التي أُلغيت رسمياً في موريتانيا عام 1981. ورغم وجود ترسانة قانونية في هذا المجال، ترى عدة منظمات غير حكومية أن بعض أشكال التبعية الاقتصادية والاجتماعية ما تزال قائمة في بعض المناطق.
وتواصل الحركات المناهضة للعبودية التنبيه إلى حالات استغلال منزلي أو تهميش تمس فئات اجتماعية عانت تاريخياً من الهشاشة.
وإلى جانب هذه القضايا، تعرض عدد من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان خلال الأشهر الأخيرة لملاحقات قضائية. وتنتقد بعض المنظمات ما تعتبره توسعاً في استخدام النصوص المتعلقة بحماية مؤسسات الدولة ورموزها.
في المقابل، تؤكد السلطات أن الحفاظ على الاستقرار الوطني ومنع الخطابات التي قد تؤدي إلى توترات اجتماعية أو مجتمعية يظل أولوية أساسية.
وتبقى مسألة الفساد أيضاً من بين أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الموريتانية. وقد اتُّخذت إجراءات لتعزيز آليات الرقابة وتقوية قدرات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
وتُعتبر عدة قطاعات، من بينها المالية العامة، والموارد الطبيعية، والدفاع، والعدالة، من أكثر المجالات عرضة لمخاطر سوء التسيير والفساد.
ورغم بعض التقدم المؤسسي، تشير المؤشرات الدولية إلى أن التحديات ما تزال كبيرة فيما يتعلق بتعزيز الشفافية وترسيخ الثقة في المؤسسات العامة.
وتحتل موريتانيا اليوم موقعاً خاصاً ضمن المشهد الساحلي، بعدما تمكنت من الحفاظ على مستوى من الاستقرار الأمني يُعد نادراً نسبياً في المنطقة، بفضل سياسة دفاعية منظمة وتعاون متواصل مع شركائها الدوليين.
ومع ذلك، تبقى قضايا الحريات العامة، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد في صلب النقاشات السياسية والحقوقية. كما تبرز القضايا المتعلقة بالنشطاء والمعارضين أهمية تحقيق توازن بين المتطلبات الأمنية واحترام مبادئ دولة القانون.
ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، ستُقاس قدرة السلطات الموريتانية بمدى نجاحها في تعزيز المكاسب الأمنية، مع مواصلة الإصلاحات المؤسسية الكفيلة بتعزيز ثقة المواطنين في العدالة ومؤسسات الدولة.
السيد محمد أبيبكر
عقيد متقاعد