
قال أستاذ العلوم السياسية أحمد ولد أنداري إن مفهوم “تغول القبيلة على الدولة” يعني استمرار البنى التقليدية مثل القبيلة والمشيخة والإمارات التقليدية في التأثير داخل الدولة الحديثة في موريتانيا، رغم أنه كان من المفترض أن تتراجع هذه البنى مع قيام الدولة الوطنية. لكنه يوضح أن ذلك لم يحدث، فاستمرت القبيلة في التأثير على سيادة الدولة، وأصبحت تتدخل في المجال القانوني والسياسي وتفرغهما من مضمونهما، وهو ما يُسمى بتغول القبيلة.
وأضاف. مساء اليوم الثلاثاء خلال مقابلة له مع قناة TTV أن هذا الوضع يعكس في الوقت نفسه هشاشة الدولة وقدرة البنى التقليدية على التكيف. وذكر مثالاً من سنة 1983 عندما صدر قانون يمنع الملكية التقليدية للأراضي، لكن القبائل استطاعت التحايل عبر تحويل نفسها إلى جمعيات ذات نفع عام، حيث أصبح شيوخ القبائل رؤساء لها، مما مكنها من الاستمرار في السيطرة على الأراضي وإفراغ الإصلاحات من محتواها.
أكد أن التحول الديمقراطي لم ينجح في خلق مجتمع سياسي حديث بالكامل، لأن العديد من النخب التي دخلت البرلمان والمؤسسات كانت في الأصل امتداداً للبنى التقليدية، ما جعل القبيلة تستمر في التأثير داخل الدولة رغم الشكل الديمقراطي الحديث.
أضاف أنه لا يدعو إلى إلغاء القبيلة، لأنها جزء من النسيج الاجتماعي ولها دور في التضامن، لكنه يؤكد ضرورة إبعادها عن المجالين السياسي والقانوني، لأن تدخلها يضر بالدولة ولا يخدم حتى القبيلة نفسها.
قال إن العلاقة بين الدولة والولاءات التقليدية تتسم بأن الولاء للدولة يجب أن يكون الأول، لكن في الواقع الدولة في موريتانيا انسحبت من عدة أدوار، خاصة التنموية، مما جعل المواطن يعتمد على القبيلة في العلاج والعمل والخدمات بدل الدولة، وهذا أضعف مفهوم المواطنة.
أشار إلى أن جزءاً من المجتمع ينظر إلى الدولة باعتبارها امتداداً لنموذج استعماري سابق، ولذلك بقيت هناك علاقة ضعف أو حتى عداء رمزي مع مؤسسات الدولة، وهو ما انعكس في سلوكيات مثل عدم الالتزام بالقوانين أو الفواتير باعتبارها نوعاً من التمرد على الدولة.
أكد أن صعود الشبكات القبلية يعود أساساً إلى ضعف الدولة، رغم وجود دستور يمنع الدعوات العرقية والقبلية، لكن هذه الظواهر ما تزال موجودة، وأحياناً تُستخدم كوسيلة للصعود السياسي، عبر ما يسمى بالتمييز الإيجابي بشكل غير سليم.
أوضح أن الدولة كان ينبغي أن تجعل التعليم هو أساس التمييز الإيجابي والصعود الاجتماعي، بدل الاعتماد على الاعتبارات القبلية أو الشرائحية، لأن التعليم هو الطريق الطبيعي لبناء مجتمع متكافئ.
أكد أن الدولة في موريتانيا حديثة في الشكل، لكنها تقليدية في الجوهر، لأن البنية القبلية ما زالت تتحكم في كثير من القرارات، مما يجعل التحليل السياسي في موريتانيا مختلفاً عن الدول الأخرى التي تعتمد على الأحزاب فقط.
أضاف أن تشكيل الحكومات أحياناً يخضع لمنطق قبلي، حيث يتم اختيار أشخاص بناءً على انتماءاتهم وليس كفاءاتهم فقط، مما يؤدي إلى مفارقات في التسيير والإدارة.
أشار إلى أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى هوية وطنية قوية، لأن ضعف هذه الهوية يجعل أزمة المواطنة مستمرة، رغم أن المدن الكبرى تشهد تراجعاً نسبياً لنفوذ القبيلة مقارنة بالأرياف.
و أكد أن الدولة الوطنية بشكلها الحالي هي دولة حديثة في الشكل، لكنها تقليدية في الجوهر، لأن ما يؤثر فعلياً في السياسة ليس فقط المؤسسات، بل البنية الاجتماعية التقليدية التي تظل الأقوى في تفسير الواقع السياسي في موريتانيا.







