
في الوقت الذي تعبّر فيه مجدداً عن التطلع إلى حوار وطني شامل، يحفّ الحذر المشروع ذلك الحماس. فالتجارب السابقة، التي غالباً ما كانت نتائجها مخيبةً للآمال، تدعو إلى تفكير عميق في شروط النجاح. ويظهر التحليل أن الفشل لا يكمن عادةً في مبدأ الحوار ذاته، بل في الأسس التي يُبنى عليها. من الجوهري أن ندرك أن الحوار الحقيقي لا يبدأ بخطابات الافتتاح، بل يبدأ في مرحلة سابقة، من خلال عمل تحضيري دقيق، يجمع بين الصدق الفكري والمنهجية الصارمة.
يتجاوز الصدق إطار الفضيلة الأخلاقية البسيطة ليصبح بعداً تقنياً أساسياً. فهو يشكل الشرط الأساسي لتشخيص وطني موثوق، وهو قاعدة أي بناء جماعي قابل للاستمرار. إن الشروع في مشروع إعادة تأسيس دون تقييم صادق للوضعية يشبه إنشاء مبنى دون دراسة مسبقة للأرض. وتتطلب هذه المقاربة الوضوح والشجاعة لتسمية الأمور بموضوعية وبدون مجاملة:
• نقاط الضعف الهيكلية المستمرة، مثل التفاوتات الاجتماعية، ونقص أنظمة التعليم والصحة، وعدم الثقة في المؤسسات، أو التوترات المجتمعية الكامنة.
• إخفاقات بعض السياسات العامة أو نتائجها الأقل من التوقعات، والإصلاحات غير المكتملة، وفرص التنمية التي لم تُستغل.
• نقاط القوة والإمكانيات التي يتمتع بها البلد والتي يمكن أن تُبنى عليها ديناميكية إيجابية: الموارد البشرية، رأس المال الاجتماعي، التراث الثقافي والآفاق الاقتصادية.
يُعد إنشاء هذه الصورة المشتركة للواقع الضمان الأفضل ضد حوار عقيم، تدافع فيه كل جهة عن وجهة نظرها دون الرجوع إلى واقع مشترك. فهو يُلزم جميع الفاعلين بأن تُستند مواقفهم إلى فهم جماعي للتحديات والإمكانيات.
بناءً على هذا التشخيص المشترك، يعتمد النجاح بعد ذلك على جودة التخطيط. إنّ الإعداد لحوار بهذا الحجم يتجاوز بكثير الجوانب اللوجستية. فهو يتعلق بتصميم عملية مُحكمة، مُهيكلة لتعزيز تبادل بناء والوصول إلى نتائج ملموسة. يجب أن يرتكز هذا التخطيط على ثلاثة أسس أساسية:
1. توقع الخلافات وإدارتها بشكل بناء: لا يمكن لحوار وطني جدير بهذا الاسم أن يتجنب القضايا التي تفرق المجتمع. إن الإعداد الجاد يتطلب تحديد هذه المواضيع الحساسة مسبقاً – سواء كانت تاريخية أو اجتماعية اقتصادية أو هوياتية – وتصميم إطار للنقاش (قواعد سلوك، جدول أعمال متدرج، وساطة مهنية) يسمح بمعالجتها بطريقة محترمة وفعالة، دون المساس بالعملية.
2. توجه حازم نحو المستقبل: لتجنب فخ النقاش المرتكز على تسوية حسابات الماضي، يجب أن يكون الحوار استشرافياً. على المرحلة التحضيرية أن تشمل وضع ودراسة سيناريوهات مختلفة لمستقبل الأمة، وتقييم تبعات الخيارات الاستراتيجية في مجال الحوكمة، أو النموذج الاقتصادي، أو التماسك الاجتماعي. تشجع هذه المقاربة على التفكير من منظور العواقب والتنازلات الضرورية.
3. تحديد معايير تقييم موضوعية: تعدد المقترحات التي ستظهر يتطلب إطاراً للتمييز. يضع التخطيط المسؤول، قبل بدء النقاشات، معايير تقييم واضحة وشفافة، مثل الجدوى المالية، والعدالة الاجتماعية، والامتثال للمبادئ الدستورية، أو المساهمة في الوحدة الوطنية. ستكون هذه المعايير دليلاً لتحديد أولويات الأفكار الأكثر صلة وبناءً.
في هذا السياق، تشكل مبادرة تنظيم نقاش عام واسع عبر الإنترنت فرصة قيمة. فهذه المنصة، بعيدة عن أن تكون مجرد أداة ثانوية، يمكن أن تكون ورشة تحضير ديمقراطي. سيتعلق الأمر بتحويل الفضاءات الرقمية، أحياناً المتنازعة، بشكل مؤقت إلى ساحات نقاش حديثة ومنضبطة. يمكن أن تستقبل هذه الساحات:
• مشاورات مواضيعي مركزة على أولويات معينة (تشغيل الشباب، تحديث القضاء، نموذج التنمية المستدامة).
• آلية لجمع مقترحات مواطنية مدعمة ومدعمة بالأرقام قدر الإمكان.
• تبادلات ونقاشات بين خبراء، تُبث على نطاق واسع، لتوعية الرأي العام بقضايا معقدة.
لا يهدف هذا العمل التحضيري إلى استبدال الحوار الرسمي، بل إلى إثرائه وتعزيزه. فهو يتيح للمشاركين المفوضين بدء النقاشات برصيد من الأفكار التي تمت مناقشتها مسبقاً في العلن، وإدراك دقيق لهواجس المواطنين. وبالنسبة للنخب الفكرية والاجتماعية والسياسية، فإن الانخراط بصرامة في هذه المرحلة يُعد مسؤولية مدنية كبرى.
ولمنح هذا التمرين أثراً مستداماً وتجنب بقائه حدثاً معزولاً، يُقترح إضفاء الطابع المؤسسي عليه من خلال جعله موعداً ثنائياً سنوياً إلزامياً. ويكون هدفه الرئيسي ضمان متابعة ديمقراطية وتقييم جماعي للالتزامات التي تم التعهد بها، من خلال الإجابة على هذا السؤال البسيط: ما التقدم الذي أحرزناه في تنفيذ الأهداف التي حددها الحوار السابق؟
مثل هذه الدورية ستؤسس لديناميكية فضلى من:
• المساءلة والشفافية في العمل العام.
• التعديل والتحسين المستمر للسياسات الوطنية.
• التفكير الاستراتيجي طويل المدى، بعيداً عن الظروف السياسية الآنية.
تجد أمتنا نفسها أمام خيار حاسم. الخيار الأول يتمثل في تكرار نماذج مجربة، محفوفة بمخاطر قيادة حوار جديد شكلي، غير مُعدّ بشكل كافٍ وقليل الإنتاجية. أما الخيار الثاني، الأكثر صرامة ولكنه أيضاً أكثر وعوداً، فيدعو إلى مقاربة جماعية ناضجة ومسؤولة. وهو يعترف بأن جودة الحوار تُحدد في إعداده، وهذا الأخير يتطلب صدق التشخيص وصرامة المنهجية على حد سواء.
التحدي النهائي يتجاوز عقد نقاش. إنه يتعلق بإثبات قدرتنا الجماعية، كأمة، على إجراء محاسبة ذاتية واضحة، وصياغة أسس مستقبل مشترك ومزدهر من خلال النقاش المدعم والسعي للمصلحة العامة. الخطوة الأولى نحو هذا الحوار التاريخي تبدأ اليوم، من خلال التزامنا الحازم بإعداده بكل الصرامة والصدق اللذين يستحقهما.
السيد محمد أبيبكر
عقيد متقاعد









