دين الشرف: المتقاعدون العسكريون، أبطال منسيون؟

لقد جابوا دروب الخدمة، وحرسوا حدود الوطن، واستجابوا بلا تردد لدعوة الأمة، سواء في مهام السلام الشاقة أو التدخلات في أوقات الأزمات. اليوم، بعد أن كرسوا شبابهم وقوتهم وطاقاتهم، يواجه آلاف المتقاعدين العسكريين معركة أخرى، غالباً ما تكون صامتة وغير معروفة: معركة التقاعد الصعب، حيث يتأخر تجسيد امتنان الأمة في حياتهم اليومية. وإلى هذه الصورة القاتمة تضاف حقيقة لا تُحتمل بشكل خاص، مرئية للعيان في شوارعنا: حقيقة جنود سابقين اضطروا للتسول.
هؤلاء الرجال والنساء قدموا أجمل سنوات عمرهم. كان التزامهم عهداً واضحاً: التفرغ الكامل، والتضحية، والانضباط، في خدمة المجتمع. عرفوا فراق الأسرة المتكرر، وقسوة ساحات العمليات، والعبء الجسدي والنفسي لمهنة لا مكان فيها للمألوف. لقد مضى شبابهم على إيقاع أوامر المهام، والتدريبات، وإخلاص مطلق للمصلحة العامة.
ومع ذلك، في نهاية هذه المهنة الشاقة، يصطدم الكثير منهم بواقع معقد. الانتقال إلى الحياة المدنية هو تحد. البعض، متأثرين بتجارب عملياتية صعبة، يواجهون آثاراً صحية أو نفسية قد يكون التعامل معها غير كافٍ. المعاشات التقاعدية، موضوع النقاشات المتكررة، يُنظر إليها من قبل الكثيرين على أنها لا تعكس بما يكفي خصوصية التضحيات التي قُدمت خلال سنوات الخدمة. شعور الإهمال بعد خلع الزي العسكري هو جرح يعبر عنه كثيراً.
هذا الجرح يبلغ ذروته عندما يُجبر الكبرياء على الانحناء أمام الحاجة المطلقة. لقد أصبح من الشائع، في مدننا، أن تصادف نظرة عسكريين سابقين يقفون عند التقاطعات، يمدون أيديهم. بينهم، بعض الوجوه يمكن التعرف عليها. رجال كانوا ذات يوم أقوياء، منتصبي القامة، يتحلون بكبرياء مشروع. الحاجة، والفقر المدقع، والإهمال غلبوا على تلك الهيبة. "لقد خدمن بلا حساب، لكن اليوم، الحسابات والمحاسبة هي ما يطغى في كثير من الأحيان"، كما يشهد سيدي، جندي سابق انتشر في عدة مسارح داخلية وخارجية. "الأمة تكرمنا بالكلام، ولكن عملياً، الحياة اليومية غالباً ما تكون صعبة. نشعر وكأننا معدات أصبحت عتيقة، أُهملت في المستودع. رؤية الإخوة في السلاح مضطرين للتسول، هي الخيانة الأكثر مرارة."
تنبه جمعيات ونقابات للمتقاعدين العسكريين بانتظام إلى هذه الظروف. فهم لا يشيرون فقط إلى القضايا المالية، بل أيضاً إلى الوصول إلى الرعاية الصحية المتخصصة، والاعتراف بالأمراض المرتبطة بالخدمة، وضرورة وجود دعم قوي لانطلاق مهنة ثانية. "هؤلاء النساء والرجال هم من صاغوا الأمن الذي نتمتع به اليوم. تقاعدهم يجب أن يكون لائقاً بما أنجزوه."
هذا الوضع يطرح تساؤلات عميقة حول العقد الأخلاقي الذي يربط الجمهورية بجنودها. الخدمة تعني القبول بخطر الحياة وتشكيل الوجود وفقاً لمتطلبات الدفاع الوطني. بالمقابل، هل أد المجتمع واجب التضامن والامتنان بالكامل تجاه أولئك الذين حملوا رايته؟ منظر الجندي السابق المتسول هو عرض صارخ لدين لم يُسد.
تبدأ مبادرات بالظهور، ببطء. تُطور برامج إعادة التأهيل. لكن بالنسبة للكثيرين، يبقى الطريق طويلاً قبل أن يتحقق الوعد بتقاعد هادئ وكامل الكرامة. طالما لم يتم الوفاء بهذا الوعد، فستلاحق صورتهم التي لا تُحتمل، كأبطال سقطوا، يستبدلون التحية بقطعة نقدية، ضميرنا الجمعي.
بينما نحتفل بانتظام ببطولات قواتنا المسلحة، حان الوقت أيضاً لتوجيه نظرنا إلى أولئك الذين، بعد أن خدموا، يستحقون أكثر من مجرد شكر رسمي. لقد قدموا قوتهم وكبرياءهم للأمة. وعلى الأمة اليوم، أن تعيد إليهم ليس القوة فحسب، بل كرامتهم أيضاً. دين الشرف ليس خياراً: إنه ضرورة ملحة، حتى لا ينتهي الأمر بأي ممن حرسونا راكعين على حافة طرقاتنا.
السيد محمد أبيبكر
عقيد متقاعد