
تقع الكويرة في أقصى جنوب المغرب، في شبه جزيرة رأس نواذيبو، وتُجسّد مخاوف نواكشوط. فبينما تؤكد الرباط سيادتها، تدافع موريتانيا، التي تمارس سيطرة فعلية على المنطقة، عن توضيح توافقي للحدود. وهو تمرين دقيق على التوازن الدبلوماسي.
تقع الكويرة في الجزء الغربي من شبه جزيرة رأس نواذيبو، على بعد نحو عشرة كيلومترات فقط من نواذيبو، الرئة الاقتصادية لموريتانيا. وهذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي يجعل منها نقطة محورية للمصالح الأمنية والتجارية لنواكشوط.
وعلى المستوى القانوني، تبدو الوضعية غامضة إلى حد ما. فالمغرب يعتبر الكويرة جزءاً لا يتجزأ من أقاليمه الصحراوية. غير أن موريتانيا تمارس سيطرة فعلية على المنطقة منذ انسحابها من نزاع الصحراء الغربية عام 1979. ويستمر هذا الوضع، رغم أن نواكشوط تخلّت رسمياً عن أي مطالبة بالسيادة على الإقليم الصحراوي.
وأُعيد إحياء الجدل في أواخر أكتوبر 2026 بتصريحات رسمية. فقد نفى الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية، محمد ولد ببانا، بشكل قاطع أي مطالبة إقليمية بالكويرة. وأوضح أن المباحثات الجارية تتعلق بآلية تهدف إلى توضيح الحدود الدولية النهائية، وليس بأي ضم. وأكد: «لا ينبغي تفسير هذه الخطوة على أنها تعبير عن مطالب لم تطرحها موريتانيا رسمياً».
وخلف الحذر الدبلوماسي لنواكشوط تكمن مخاوف ملموسة. فبالنسبة لموريتانيا، يتمثل الرهان الأساسي في الحفاظ على الوضع الراهن حول هذه المنطقة الاستراتيجية، والتأكد من أن أي تسوية مستقبلية لملف الصحراء الغربية لن تخلق وقائع إقليمية جديدة على أبوابها.
إن القرب المباشر من نواذيبو، التي تضم ميناء تجارياً ومنشآت صيد حيوية، فضلاً عن محطة الشركة الوطنية للصناعة والمعادن (SNIM)، يجعل أي تطور في الكويرة قد يكون مزعزعاً للاستقرار. والقلق أكثر حدة لأن مشاريع تنموية مغربية، تشمل خصوصاً شركاء إماراتيين في قطاعي السياحة والعمران، قد طُرحت.
يُضاف إلى ذلك بُعد سياسي. فخطاب الملك محمد السادس في أكتوبر 2025، الذي تحدث عن «مغرب موحد يمتد من طنجة إلى الكويرة»، نُظر إليه في نواكشوط باعتباره إشارة إلى «الحدود التاريخية» ذات النزعة التوسعية المحتملة. لذا يهدف الطلب الموريتاني بتشكيل لجنة حول الحدود إلى معالجة المسألة مسبقاً، قبل أن يجمّد أي اتفاق سياسي محتمل حول الصحراء معطى إقليمياً جديداً دون أن تتمكن نواكشوط من مناقشة بنوده.
وفي مواجهة هذا المأزق، يبدو أن مخرجاً دبلوماسياً آخذاً في التشكّل. فقد اقترحت موريتانيا إنشاء لجنة مكلفة بتوضيح، بطريقة توافقية، الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم الذي لا يزال وضعه بحاجة إلى تحديد. ويهدف هذا الاقتراح، الذي صيغ في إطار المباحثات الأممية، إلى تجنب أي غموض قد تكون له تبعات أمنية أو قانونية أو اقتصادية.
وقد يسمح هذا النهج بالخروج من المأزق عبر فصل مسألة الوضع النهائي للصحراء الغربية عن مسألة التحديد الدقيق للحدود بين موريتانيا والمغرب. وقد تتمحور تسوية توافقية حول عدة ضمانات متبادلة:
بالنسبة لموريتانيا: الحصول على اعتراف رسمي ونهائي بحدودها الشمالية، بما يؤمّن محيط نواذيبو. وفي المقابل، تحافظ نواكشوط على موقفها القائم على الحياد الإيجابي في ملف الصحراء، ولا تقدّم أي مطالبة بشأن الكويرة.
بالنسبة للمغرب: أن يُعاد تأكيد سيادته على الكويرة، مع قبول إطار للحوار حول آليات تأمين المنطقة وتنميتها يراعي المصالح الحيوية الموريتانية.
ويتوقف هذا المخرج على قدرة البلدين على تحويل مصدر توتر إلى فضاء للتعاون. والكرة الآن في ملعب المباحثات الأممية، حيث قد يكون البحث عن تسوية حول الحدود مفتاحاً لاستقرار دائم للجناح الأطلسي للصحراء.
السيد محمد أبيبكر
عقيد متقاعد








