
اندلع حريقان، بفاصل زمني لا يتجاوز أربعاً وعشرين ساعة، في يومي 21 و22 أغسطس 2026، وأتيا على محطتي تحويل (33/15 كيلو فولت) في العاصمة الموريتانية، مما تسبب في قطع التيار الكهربائي عن ست من تسع بلديات في نواكشوط، وغرقها في ظلام دامس وحرارة قائظه استمرت لأيام عدة. وبعيداً عن كونه مجرد عطل تقني، فإن هذا الحدث – الذي لا تزال أسبابه الدقيقة قيد التحديد – حوّل انقطاعاً بسيطاً للتيار إلى أزمة وطنية حقيقية، كشفت عن العيوب الفادحة في منظومة كهربائية هشة، وعن غياب أي تخطيط استراتيجي مسبق.
في يوم الجمعة 21 أغسطس، نشب حريق أول في المحطة الفرعية الشرقية، شمال العاصمة، مما تسبب في اضطرابات في عدة أحياء، وأثر على الخط الذي يربط نواكشوط بكل من واد الناقة وإديني وأوليغات. وفي اليوم التالي، اندلع حريق ثانٍ، مماثل في نطاقه، في محطة تحويل نواكشوط الغربية، ليقطع التيار عن الجزء الأكبر من بلديات تفرغ زينة ولكصر والسبخة، بالإضافة إلى خطوط كانت تغذي مرافق حيوية مثل مطار أم التونسي الدولي وميناء تانيت.
بادرت الشركة الموريتانية للكهرباء (صوملك) فوراً بتعبئة فرقها التقنية، غير أن هذه الفرق اضطرت للانتظار حتى تمكنت فرق الإطفاء من السيطرة التامة على الحريقين، لتتمكن بعدها من تأمين الموقعين وتقييم الأضرار. وخلال هذه الفترة، ظلت أحياء بأكملها محرومة من التيار الكهربائي، وبعضها لأكثر من 72 ساعة.
وسرعان ما تحول ما كان قد يبدو مجرد حادث تقني منعزل إلى أزمة متعددة الجوانب. فقد أدى انقطاع الكهرباء إلى شل الخدمات الحيوية. ففي المستشفيات، واجهت المولدات الاحتياطية صعوبات بالغة، مما جعل كل تدخل طبي محفوفاً بالمخاطر. وفي الصيدليات، تعرضت سلسلة التبريد للخطر، مهددةً بفقدان اللقاحات والأنسولين. كما تضرر الوصول إلى مياه الشرب، المعتمد على المضخات الكهربائية، بشكل خطير، على الرغم من جهود "صوملك" لإعادة تشغيل الخط المغذي لآبار إديني.
كانت العواقب الاقتصادية مدمرة بنفس القدر. إذ اضطر التجار إلى التخلص من أطنان من المواد القابلة للتلف – لحوم، ألبان، خضروات وفواكه – بسبب انعدام التبريد. واختصر أحد الجزارين في تفرغ زينة المعاناة قائلاً: "ليس لدينا حل آخر. سعر الديزل للمولّد أغلى مما نكسبه، وهو ليس متوفراً دائماً".
إزاء هذا الحجم من الأزمة، أمر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، تضم خبراء معروفين بكفاءتهم ونزاهتهم، مهمتها تحديد أسباب الحرائق والوقوف على أي مسؤوليات ممكنة. كما شدد الرئيس على ضرورة الإسراع في تحديث وتأمين شبكة التوزيع.
لكن رد الفعل هذا، مهما كان ضرورياً، لا يمكن أن يخفي حقيقة أعمق. وكما يشير أحد التحليلات، فإن "المواطنين لا يمتلكون المعطيات التقنية التي تمكنهم من تحديد أسباب الحريقين". فقد حددت "صوملك" مصدر الحريق، لكن السبب التقني المفصل لم يُكشف للعموم.
يتجاوز هذا الحدث بكثير مجرد حريق عرضي، إذ يكشف عن هشاشة هيكلية في الشبكة الكهربائية الموريتانية. وكما لاحظ الرئيس الغزواني نفسه، تبدو المشكلة عائدة أكثر إلى شبكة التوزيع وليس إلى الإنتاج. فموريتانيا، وإن كانت قد زادت قدراتها الإنتاجية في السنوات الأخيرة، لتصل إلى قدرة مركبة تبلغ حوالي 615 ميغاواط في عام 2023، فإن هذه الجهود تذهب سدى إذا ظلت محطات التحويل والخطوط وأجهزة الحماية بهذه الدرجة من الضعف.
إن حرائق نواكشوط ليست مجرد حادث عرضي، بل هي عرض من أعراض غياب رؤية بعيدة المدى، ونقص في الاستثمار في تعزيز قدرة تحمل البنى التحتية الحيوية، وتخطيط طاقوي لم يستطع توقع المخاطر. فلا ينبغي لعطل كهربائي في عاصمة أن يشلّ في آن واحد قطاعات المياه والصحة والاتصالات والاقتصاد بأكمله.
تدعو بعض الأصوات إلى تغيير النموذج، مذكرة بأن موريتانيا، في مطلع الألفية، كانت قد راهنت على الرقمنة بتخفيف حاد للضرائب على المعدات المعلوماتية، مما مهد الطريق لثورة تكنولوجية حقيقية. واليوم، يُنتظر نفس الموقف تجاه الطاقة الشمسية – مورد وفير في موريتانيا، حيث يتراوح سطوع الشمس بين 8 و10 ساعات يومياً، ولمدة 300 يوم في السنة.
الأزمة الحالية ليست قدراً محتوماً، بل هي كاشفة لخيار سياسي: أما الاستمرار في تحمل تبعات شبكة بالية، أو الاستثمار أخيراً في رؤية طاقوية لا مركزية، مرنة، ومستدامة.
في غضون ذلك، يواصل سكان نواكشوط عد الساعات قبل عودة التيار، بينما تعد السلطات بحلول سريعة. لكن بعد عودة الأنوار، يجب ألا ننسى أن الحريق لم يكن سوى الجزء الظاهر من جبل جليدي لمشكلة أعمق بكثير: مشكلة بلد ردّد مرة أخرى في حالة الطوارئ، دون أن يكون قد أتقن فن التوقع والاستباق.
السيد محمد أبيبكر
عقيد متقاعد







