وثائق سرّية تكشف كواليس النفوذ الروسي في إفريقيا

كشفت تسريبات واسعة لوثائق سرّية عن ضخّ ملايين الدولارات شهرياً لتوجيه الرأي العام في دول الساحل الإفريقي، عبر شبكات إعلامية محلية ومنصات رقمية وصحفيين ومؤثّرين، في إطار استراتيجية روسية متكاملة تهدف إلى ترسيخ النفوذ السياسي والإعلامي لموسكو وتقويض الحضور الغربي في المنطقة. هذه المعطيات الخطيرة وردت في تحقيق استقصائي أجرته منصة "Forbidden Stories" استناداً إلى أكثر من 1400 صفحة من الوثائق الداخلية المسرّبة.

وتُظهر الوثائق أن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي يخصّص نحو 300 ألف دولار شهرياً لتمويل وسائل إعلام وصحفيين ومؤثّرين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، من أجل صياغة خطاب موالٍ لروسيا، ونشر روايات مناهضة للنفوذ الفرنسي والأوروبي، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، مستغلاً حالة السخط الشعبي من الأزمات الأمنية والاقتصادية التي تعيشها المنطقة.

ولا تأتي هذه الحملات الإعلامية في فراغ، بل تمثّل جزءاً من مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الساحل، عبر الدمج بين التأثير الناعم والتدخل غير المباشر في الشؤون السياسية والأمنية للدول المستهدفة.

من إرث بريغوجين إلى إدارة الدولة الروسية

في هذا السياق، تكشف الوثائق أن هذه الشبكات الدعائية هي الامتداد المباشر للإمبراطورية التي بناها يفغيني بريغوجين، مؤسّس مجموعة فاغنر، قبل مقتله. غير أن الجديد يتمثّل في انتقال إدارة هذه المنظومة بالكامل من الهياكل الخاصة إلى إشراف مباشر من أجهزة الدولة الروسية، وهو ما منحها زخماً مالياً وتنظيمياً أكبر، وفتح أمامها آفاقاً أوسع للتوسّع والتمدد داخل القارة الإفريقية.

وبحسب التحقيق، فقد أسهم هذا التحوّل في تعزيز الحضور الروسي في بؤر التوتر، مع تركيز خاص على دول الساحل، التي باتت تشكّل محوراً رئيسياً في الاستراتيجية الروسية الجديدة، نظراً لما تمثّله من أهمية جيوسياسية وأمنية واقتصادية.

وتعود فصول هذه القضية إلى أكتوبر 2025، حين تلقّى موقع "ذا كونتيننت الإفريقي" حزمة مجهولة المصدر تضم أكثر من 1400 صفحة من الوثائق السرّية، تحتوي على ميزانيات مفصّلة وتقارير نشاط وخطط استراتيجية توضّح بدقة كيفية انتقال شبكات النفوذ من إدارة بريغوجين إلى قبضة الدولة الروسية.

وتكشف هذه المستندات أن موسكو لم تكتفِ بالحفاظ على نفوذها بعد غياب بريغوجين، بل عملت على إعادة هيكلته وتوسيعه، مع توجيه اهتمام خاص إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر، باعتبارها مفاتيح أساسية لفهم توازنات القوة في الساحل، ونقاط ارتكاز لأي مشروع نفوذ إقليمي.

خطط لزعزعة استقرار دول الساحل

غير أن الأخطر في هذه الوثائق هو ما تكشفه من خطط لزعزعة الاستقرار السياسي وإعادة رسم المشهد الداخلي في عدد من الدول. ففي النيجر، تشير التقارير إلى مساعٍ لإضعاف النفوذ الاقتصادي الفرنسي، خصوصاً في قطاع الموارد الطبيعية، في إطار سعي موسكو إلى السيطرة على مفاصل استراتيجية في الاقتصاد الوطني.

كما تتحدّث المستندات عن تصوّرات لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في الساحل عبر دعم مشاريع وحدوية بديلة، جرى التنظير لها منذ عام 2023، أي قبل الإعلان الرسمي عن تحالف دول الساحل، ما يدلّ على دور روسي مبكّر في بلورة هذا التوجّه الإقليمي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الاستراتيجية الروسية في إفريقيا دخلت مرحلة جديدة، تقوم على الجمع بين الإعلام والسياسة والأمن والاقتصاد، بهدف بناء نفوذ طويل الأمد قادر على منافسة القوى التقليدية، وفي مقدّمتها فرنسا والاتحاد الأوروبي.

وفي ظل تراجع الحضور الغربي وتصاعد المشاعر المناهضة له في عدد من دول الساحل، تواصل موسكو تثبيت أقدامها بهدوء ولكن بثبات، مستفيدة من الفراغ السياسي والأمني، ومن حاجة الأنظمة الجديدة إلى حلفاء يوفرون لها الدعم والحماية.

رابط المقال: