تقاعد كبار الضباط المذلّ: بين طي النسيان ووهن العيش

قادة وحدات، وحرّاس حدود، ودعامات استقرار بلد ساحلي يعاني من وطأة انعدام الأمن هكذا كرّس الضباط السامون في موريتانيا حياتهم للأمّة. تلقّوا تكوينهم في كبريات الكليات العسكرية الوطنية والأجنبية، وقدّموا شبابهم دفاعاً عن الوطن. لكن حين يخلعون الزيّ العسكري، تبدأ محنة أخرى، أخبث وأكثر غدراً: محنة تقاعد بائس، لا يليق بما قدّموه من تضحيات.
معاشاتهم التقاعدية تكشف حجم هذا التدهور. فمن انتهت خدمته بعد عام 2005، نادراً ما يتجاوز راتبه الشهري عشرة آلاف أوقية موريتانية جديدة؛ أمّا من سبقوه إلى التقاعد قبل هذا التاريخ، فلا يتعدّى مبلغه ستّة آلاف أوقية.
والأكثر إيلاماً، أن هذا الحرمان يطبق بشدّة على الضباط السامون ممّن لم يحالفهم الحظ للوصول إلى رتبة لواء. ففي الوقت الذي يتقاسم فيه العقيد والجنرال غالباً نفس الشهادات من المدارس الكبرى، ونفس مستويات المسؤولية في القيادات، ومؤهلات متطابقة تقريباً، فإن الفجوة في المعاملة عند نهاية الخدمة تبقى هائلة. الأوائل، الذين لم ينالوا رتبة لواء، يندبون حظّهم الذي يرونه غير لائق، بل يصل بعضهم إلى حدّ التأسف المرير لأنّهم كرّسوا حياتهم لمؤسسة تردّ عليهم بالتنكر والاحتقار. فهؤلاء لا يتقاضون أكثر من عشرة آلاف أوقية شهرياً، دون أيّة ميزة إضافية. في المقابل، يحتفظ الجنرالات برواتبهم الكاملة مدّة عشر سنوات بعد التقاعد، ويتمتّعون بحزمة من الامتيازات: سيارة رباعية الدفع، قطعة أرض أو اثنتان في تفرغ زينة، معاش مدى الحياة، وأكثر من ذلك بكثير. مثل هذا التفاوت، داخل هرم عسكري واحد ولمسارات متشابهة في الغالب، لا يزيد المشاعر إلاّ تأجّجاً بالظلم والإحباط.
في موريتانيا التي يخنقها تضخّم بلغت نسبته 8,7% في مايو 2026، وارتفاع متواصل في أسعار المواد الغذائية والطاقة، تذوب هذه المعاشات الهزيلة كالثلج تحت أشعّة الشمس. فأعداد كبيرة من هؤلاء الرواد، بعد أن منحوا دولتهم كلّ ما لديهم، أصبحوا مرغمين على العودة إلى العمل – بل إنّ الأكثر فقراً منهم يمدّون أيديهم عند تقاطعات نواكشوط.
لا تستطيع الحكومة أن تحتجّ بالجهل. ففي عام 2023، نُظّمَت ورشة عمل كانت تعد بإصلاح نظام التقاعد العسكري. وفي أبريل 2026، أُعلن عن منحة استثنائية قيمتها 3 آلاف أوقية، سرعان ما خُفّضت إلى ألف أوقية فقط في الدفعة الأولى. هذه الفتات، التي وصفها المعنيون بـ"قطرة الماء"، تبدو وكأنها استفزاز إضافي. ويتّهم المتقاعدون الحكومات المتعاقبة – التي يقودها عسكريون أو ضباط سابقون منذ عام 1978 – بالعجز، أو اللامبالاة، وعدم امتلاك الشجاعة السياسية لوضع حدّ لهذه المحنة.
ووراء هذا الظلم الاجتماعي، يهدّد هذا الوضع استقرار البلاد. فكما يحذّر باحث متخصّص في الشؤون الدفاعية، فإنّ الضابط المحبط، الذي لا يزال يتحلّى بمكانة رمزية قوية، يشكّل هدفاً ثميناً للحركات المتطرّفة أو المعارضات التي تبحث عن الكفاءات التنظيمية والشرعية. أمّا هجرة الكفاءات فتُضيف خطراً آخر: فألمع المواهب قد تستجيب لعروض الدول الصديقة أو المنظّمات الدولية، مما يحرم موريتانيا من أهمّ مواردها.
أمّا المقارنة مع الجيران فقاسية. ففي المغرب، تُعتبر رفاهية المحاربين القدامى أولوية وطنية. إذ يرتفع معاش المتقاعدين ليتراوح بين 8 آلاف و13 ألف درهم حسب الأقدمية، مع تعويضات خاصّة. أمّا جرحى الحرب وأرامل الشهداء، فيستفيدون من معاشات حياتية مرتفعة جداً، بالإضافة إلى خدمات اجتماعية وصحية توفّرها مؤسّسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية للقدماء العسكريين، كما تُرفع رواتب القوات المسلحة الملكية بشكل دوري.
السنغال أيضاً يخطو خطوات إلى الأمام. فقد حدّد مرسوم صادر في فبراير 2025 حدّاً أدنى للمعاشات بـ 425 ألف فرنك إفريقي، وهو مبلغ لا يقاس بالمعايير الموريتانية. صحيح أن الكثير من المتقاعدين لا يزالون مضطرّين إلى الجمع بين وظائف صغيرة لتغطية نفقاتهم، لكن الجهد على تعديل الميزانية ملموس: فقد خُصّص 338,4 مليار فرنك إفريقي لوزارة القوات المسلّحة عام 2026. وكما يلخّص رئيس جمعية المتقاعدين: "ما نتمنّاه هو رفعٌ كافٍ للمعاشات يخفّف قليلاً عن كاهل القدماء"، خاصة وأنّ المعاش هو غالباً المصدر الوحيد للدخل لعائلات كثيرة العدد.
الجزائر، القوّة الإقليمية، تسير في مسار مختلف تماماً، وتكاد المقارنة مع موريتانيا تفقد موضوعها لِشِدّة الفجوة. إذ تمّ مؤخّراً تنقيح قانون المعاشات بما يتلاءم مع احتياجات قدماء المحاربين، وتمت تسوية مدّة خدمة ضباط الصف مع مدّة خدمة الضباط (25 سنة)، وأدرجت اعتباراً من 2025 إجراءات قانونية ومالية لتسوية مطالب العسكريين المسرّحين وذوي العاهات.
إزاء هذه الأمثلة، يصير التخلّي الموريتاني صاخباً. فبينما يعزّز الرباط ودكار والجزائر أنظمتها لضمان تقاعد كريم لجنودها، تبدو نواكشوط وكأنها محت من ذاكرتها أولئك الذين قدّموا تضحيات جسيمة وصمدوا أمام التهديدات الجهادية وسائر أشكال الأخطار. "عندنا، أن تكون عسكريّاً يعني أن تختار حياة بؤس، ومسيرة بؤس، وتقاعد بؤس"، كما يقول جندي سابق بمرارة.
وهؤلاء الضباط السامون، مع ذلك، لا يقلّون شأناً عن نظرائهم في المنطقة من حيث الكفاءة والتكوين والتضحية. إن تهميشهم بعد انتهاء الخدمة هو عبث اقتصادي وخطر استراتيجي، في وقت يعاني فيه الساحل من الإرهاب وانعدام الأمن الغذائي والتقلّبات المناخية. إن تنحية من كانوا مهندسي الأمن الوطني، يعني قطع الغصن الذي تستند إليه البلاد.
لقد آن الأوان أن تخرج السلطات الموريتانية من صمتها وتتحرّك. فالتماسك الاجتماعي، ومصداقية الجيش، ومستقبل الاستقرار الوطني كلّها على المحكّ. لم يعد وقت الوعود، بل حان وقت الاعتراف الملموس: منح هؤلاء الضباط المتقاعدين الحياة الكريمة التي استحقّوها آلاف المرّات، هو في النهاية ردّ الاعتبار لعهد الدولة وإرجاع الكرامة لجنودها.
السيد محمد أبيبكر
عقيد متقاعد