
يشكل البرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإيراني المتزايد في الشرق الأوسط، وعدائه المطلق مع إسرائيل، اليوم التركيبة الأكثر تفجيرًا على الساحة الدولية. على الرغم من دورات الحوار والتوترات، يظل الخيار العسكري – ضربة وقائية منسقة ضد المواقع الإيرانية الحساسة – سيناريو محتملاً في التخطيطات الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب. مثل هذا القرار لن يشكل تدخلاً جراحياً، بل إشعالاً متعمداً لصراع إقليمي بعواقب كوكبية.
إن فتح صراع عسكري مباشر بين تحالف أمريكي إسرائيلي وإيران يمثل الشرارة المحتملة لصراع إقليمي بآثار عالمية. هذا القرار لن ينبثق من العدم، بل سيكون نتيجة تراكم عوامل تدفع واشنطن وتل أبيب لاجتياز نقطة اللاعودة.
قد يكون المحفز هو إقرار فشل دبلوماسي وتقني. إذا شهدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران تمتلك مواد انشطارية لعدة رؤوس حربية أو أنها تجري اختبارات حاسمة، فستدرك إسرائيل حالة طوارئ وجودية. حينها قد تنضم الولايات المتحدة إلى العملية للسيطرة عليها ولمنع تصعيد إسرائيلي منفرد أكثر لا يمكن التنبؤ به.
قد يشكل استفزاز دموي من محور المقاومة سيناريو آخر محتمل. هجوم غير مسبوق من حزب الله أو الميليشيات العراقية، يتسبب بمئات القتلى الأمريكيين أو الإسرائيليين، سُيُنسب إلى طهران. حينها سيأخذ الرد شكل حملة ضربات مباشرة ضد الأراضي الإيرانية.
أخيراً، قد يؤدي تحول استراتيجي في واشنطن إلى تسريع كل شيء. قد يؤدي صعود إدارة المحافظين الجدد المنحازة بشدة لأصعب الخطوط الإسرائيلية إلى إحياء عقيدة "تغيير النظام" بالقوة، مما يجعل تدمير القدرات الإيرانية هدفاً مُعلناً ومُقراً به.
لن يبقى الصراع محصوراً أبداً. سينتشر على الفور وفق منطق دوائر متحدة المركز، من المواجهة المباشرة إلى التعبئة العامة للوكلاء. ستشهد الدائرة الداخلية مواجهة إيران والتحالف. ستكون الأهداف ذات الأولوية هي المواقع النووية مثل مواقع نطنز وفردو، ومراكز القيادة، وبطاريات الصواريخ، والقوات البحرية. سيكون الرد الإيراني فورياً وضخماً، على شكل موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تستهدف المراكز الحضرية الإسرائيلية لإشباع "القبة الحديدية"، والقواعد الأمريكية المنتشرة من العراق إلى الخليج، واقتصاد الطاقة الإقليمي عبر استهداف المصافي والناقلات.
الدائرة الخارجية، محور المقاومة، ستدخل اللعب بشكل شبه متزامن. سيشن حزب الله اللبناني وابلًا من عشرات الآلاف من الصواريخ على عمق إسرائيل. سيكثف الحوثيون في اليمن هجماتهم في البحر الأحمر ويستهدفون البنى التحتية السعودية والإماراتية. ستشن الميليشيات الموالية لإيران في العراق وسوريا هجمات على المواقع الأمريكية وستطلق هجمات نحو إسرائيل. أخيراً، ستفتح الفصائل الفلسطينية في غزة، مثل حماس والجهاد الإسلامي، جبهة إضافية، مما يغرق المنطقة في حرب متعددة الاتجاهات.
ستكون العواقب الإنسانية كارثية، بعشرات الآلاف من الضحايا المدنيين في إيران وإسرائيل ولبنان واليمن. ستُدمر مدن بأكملها على جانبي الخليج، مما يحفز أزمة لاجئين بمقياس غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية.
ستتعرض الاقتصادات العالمية لصدمة تاريخية. إن إغلاق مضيق هرمز وتدمير البنى التحتية النفطية سيرفع سعر البرميل فوق 300 أو 400 دولار، مسبباً ركوداً عالمياً فورياً. سيرافق هذا الارتفاع اضطرابات مالية عنيفة، مع انهيار الأسواق المالية وذعر عام في البورصات العالمية.
ستخرج الجغرافيا السياسية الإقليمية معاد تشكيلها تماماً وغير مستقرة. المملكات الخليجية، المأخوذة في كماشة بين تحالفها مع واشنطن وهشاشتها أمام الصواريخ الإيرانية، ستعتمد حيادية قسرية وقد تلتفت حتى نحو بكين أو موسكو. قد تعلق مصر والأردن، تحت ضغط الرأي العام، أو تعيد النظر في معاهدات السلام مع إسرائيل. ستلعب تركيا دورها الخاص، معززة مواقعها بينما تشدد روابطها مع روسيا. أخيراً، ستغرق الدول الهشة أساساً مثل سوريا واليمن أو لبنان في فوضى لا يمكن السيطرة عليها، لتصبح ملاذات للجهادية.
العواقب العالمية: بزوغ نظام فوضوي
على النطاق العالمي، ستخرج الهيمنة الأمريكية مشققة. ستظهر الولايات المتحدة كالمسبب الرئيسي للاضطراب، وتتضرر مصداقيتها وقدرتها على الردع بشكل دائم. سينحرف تركيزها الاستراتيجي، الأسير للشرق الأوسط لسنوات، عن المحور الآسيوي، لصالح الصين مباشرة.
ستشن القوى التعديلية هجوماً استراتيجياً. سترفع روسيا نفسها كوسيط لا غنى عنه، مستفيدة من الفوضى لبيع الأسلحة وترسيخ نفوذها، بينما تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة. ستندد الصين "بالمغامرة الغربية"، وتقدم وساطتها وتعمق شراكاتها مع إيران والمملكات الخليجية الباحثة عن حماة جدد، مقدمةً طرق الحرير كبديل لنظام حربي.
ستُعلَم هذه الحرب نهاية العولمة السعيدة وتسارع تفتت العالم إلى كتل متنافسة. ستتقطع سلاسل التوريد العالمية، مجسدة الانقسام بين كتلة أطلسية ضعيفة، وكتلة أوروآسيوة مبنية حول الصين وروسيا، وجنوب عالمي معادٍ في غالبيته يندد بـ "الكيل بمكيالين" الغربي.
سيُفتتح عصر الانتشار النووي المعمم لا محالة. سيفقد معاهدة عدم الانتشار النووي كل مصداقية بعد مهاجمة دولة موقعة. حينها ستبدأ سباق نحو السلاح الأعلى في الشرق الأوسط، مع سعي السعودية وتركيا ومصر وغيرها لامتلاك السلاح الذري، مما يدخل المنطقة عصر الردع النووي متعدد الأقطاب الخطر.
أخيراً، ستواجه الاتحاد الأوروبي توتراً شديداً على جميع الجبهات. سيواجه انقطاعاً في إمدادات الطاقة، وتضخماً جامحاً وركوداً عميقاً. سيتعين عليه إدارة موجات هائلة من اللاجئين وخطر متضاعف للهجمات الإرهابية. سياسياً، قد يتعرض للانقسام بين حكومات أطلسية وآراء عامة معادية للحرب على نطاق واسع، مما يهدد تماسكه الأساسي.
حرب كهذه لن تنتج غالباً، بل فقط مهزومون بدرجات متفاوتة. حتى مع تدمير جزء من القدرات النووية الإيرانية، سيكون الثمن باهظاً بشكل مروع: شرق أوسط مدمر، واقتصاد عالمي في ركود، والنظام الدولي الليبرالي منحط إلى حالة خراب.
قد تُقصف إيران، لكنها لن تُخضع، فقدرتها على الإضرار ستشتعل بعطش للانتقام. ستتعرض إسرائيل لخسائر وصدمات لا مثيل لها منذ تأسيسها. ستخسر الولايات المتحدة مكانتها كقوة منظمة، مفسحة المجال لعالم فوضوي، متعدد الأقطاب، وتحكمه قانون الغاب النووي.
يُظهر هذا التحليل أن الخيار العسكري، الذي يُطرح في كثير من الأحيان باستخفاف، يعادل نشر دعائم نظام العالم. يبقى المخرج العقلاني الوحيد هو دبلوماسية عنيدة وشاملة ومبنية على توازن مصالح أمن جميع الفاعلين الإقليميين. هذه المهمة، رغم ضخامتها، تمثل كلفة أقل بلا حدود من هاوية الحرب الشاملة.
السيد محمد أبيبكر
عقيد متقاعد









